المنجي بوسنينة
193
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فإن جميع الموجودات الممكنة في حاجة إلى مرجّح ، وبما أن العقل لا يتقبّل حاجة هذا المرجح إلى مرجح آخر ، وبسبب ضرورة كينونة هذا المرجح يصبح هذا الأخير ضرورة ثابتة . ومن ناحية أخرى يعتبر مجموع الممكنات أمرا ممكنا على شاكلة الموجودات . وهذا الممكن يحتاج إلى مرجح وجد قبله كي يصبح موجودا . وهذا المرجح يجب أن يكون واحدا وواجبا بضرورة كينونته ، ويجب أن يكون خارج مجموع الممكنات بسبب عدم كونه المجموع نفسه أو جزءا منه [ المصدر السابق ، ص 343 - 345 ، 348 - 350 ] . وتناول الأبهري مسألة العلاقة بين الله والعالم ، وكان مجمل ما قاله في هذه المسألة البحث في حصول تأثير الله على العالم الجسماني بواسطة العقول من عدم وجوده ، وقد تناول رأي ابن سينا في هذه المسألة وهو الرأي الذي كان يعتبره مفتقرا إلى القوّة التي تثبت وجود العقول النظرية الأونثولوجية . وكان يظنّ أنّ حركة الفلاسفة في هذا الأمر كانت حركة محتملة وفق مبدأ الانسجام مع حركة القبة السماوية [ المصدر السابق ، 353 - 356 ] . وكان رأي الفلاسفة يحتمل نوعين ، الأول : إن الوجود الحتمي بضرورة كينونته بسيط وينتج من هذه بساطة الصدور . وبسبب استحالة ظهور الأعراض دون الجوهر فإن الذي يصدر من الوجود الحتمي لا يعتبر أعراضا بل الجوهر نفسه ، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يكون الجوهر مادة ولا الصورة لأن كليهما لا يمكن أن يأتي أحدهما قبل الاخر ، كما لا يمكن أن يكون الجوهر موجودا في النفس لعدم اتّصاف الأخيرة بالفعالية إلا بعد ظهور الجسم . إذن الجوهر يظهر من الوجود الحتمي ولا يمكن أن يكون إلا العقل . الثاني : يعتمد على قبول فكرة تأثير السبب على جميع أجزاء المسبب ، فأجزاء الجسم تشكل صورة مع المادة لذلك يعتبر الجسم سببا افتراضيا ، فلولا وجوده لاستحال اتّخاذ أجزائه الأوضاع المناسبة في شكلها . واعتمادا على بساطة الوجود الحتمي واستحالة صدور شيء مركب منه لا يعتبر سببا للجسم . ولا يبقى بعد هذا إلا الجوهر النظري الذي هو العقل . وبيّن الأبهري ضعف فلسفة الصدوريين ، وبيّن كذلك أن ضعف هذه الفلسفة نابع من كونها مفتوحة للنقاش لاعتمادها على فرضية « أن البسيط لا يصدر منه إلّا البسيط » ، وأوضح عدم وجود أي عنصر يمنع كون النفس سببا للجسم في جميع آراء أولئك الفلاسفة [ المصدر السابق ، ص 318 - 319 ] . وهكذا لم يتبنّ الأبهري نظرية الفارابي وابن سينا المسماة « الصدور أو العقول الكونية » . بصورة عامة كان الأبهري يدافع عن نظرية « المادة - الصورة » وهي نظرية مشائية لأرسطو ضدّ نظرية « الخيلاء - الصورة » لعلماء الكلام وكانت تقول إن الذرة جزء لا يتجزأ ، وعندما أثبت وجود المادة والصورة أثبت أيضا خواص المواد السائلة والمواد الغازية في الانفصال والاتصال ، واتخذ هذه الخواص في الخروج من هذه المسألة الفلسفية ، وخصوصا الاتصال الذي لفت إليه انتباه الفيلسوف . وحسب رأيه إن كل شيء يشغل حيّزا معيّنا من جزءين علوي وسفلي منفصلين